محمد بن عبد الله بن علي الخضيري
684
تفسير التابعين
التفسير ، وظهر لذلك أثر كبير في تفسيرهم ، وقبل الخوض في أسباب ذلك ، رأيت أنه من المفيد أن أشير إلى أنني لم أستطع أن أقسم المدارس التفسيرية في هذا المبحث ؛ لأن الاختلاف لم يظهر جليا بين مدارس التفسير بقدر ما ظهر بين أئمة تلك المدارس . فإذا جزمنا مثلا بأن المدرسة المكية هي أكثر المدارس تناولا لهذا المنهج ، واستفادة من هذا المصدر ، لم نجد لدينا دليلا على ذلك إلا كثرة المنقول عن مجاهد فقط ، في حين لم يكن هذا دأب عكرمة ، وسعيد بن جبير ، بل يقل هذا كثيرا عند عطاء ، الذي لم يكن مبرزا في اللغة ، حتى لقد تمنى أن لو كان متقدما في علم اللغة ، قال ذلك ، وهو في التسعين من عمره « 1 » . فإذا انتقلنا إلى البصرة ، فإننا نجد أن هذا المصدر نهل منه إمامان من أئمة البصرة ، وهما الحسن ، وقتادة ، ومع ذلك لم يكن المنقول عنهما يوازي المنقول عن مجاهد كما ، وكذلك لم يساوه كيفا ، فإن مجاهدا قد استخدم اللغة بمهارة فائقة في استخراج المادة العلمية للتفسير ، في حين ظهرت اللغة في تفسير الحسن وقتادة في جانب الفصاحة أكثر منه في جانب الاعتماد عليها في معرفة المشتق ، والإيجاز ، والتقديم ، والتأخير ، وغير ذلك مما برع فيه مجاهد . ولذا فلا نستطيع أن نجعل البصرة هي المدرسة المتميزة في ذلك . فإذا جئنا إلى الكوفة مثلا : نجد الشعبي الذي يعد من أشعر التابعين ، إلا أنه لم يعتمد على الشعر في التفسير ، في حين أن إبراهيم لم يكن ذا تعمق في اللغة . ولأجل ذلك كله رأيت إبراز اللغة بوصفها مصدرا من مصادرهم في التفسير ، جاعلا مناط هذه الدراسة الأفراد لا المدارس . وإذا نظرنا للنتاج التفسيري باللغة نستطيع أن نميز بعض المفسرين ممن اختص ببعض
--> ( 1 ) وقد سبق بيان ذلك في ترجمته ص ( 194 ) .